يشهد سوق السيارات المستعملة في العراق موجة غير مسبوقة من عمليات الاحتيال والتلاعب، ما أدى إلى تراجع واضح في ثقة المشترين وازدياد الشكاوى من الخداع في عمليات البيع. ويأتي هذا في وقت ارتفعت فيه أسعار السيارات الجديدة، الأمر الذي دفع شريحة واسعة من العراقيين إلى التوجه نحو السوق المستعمل بحثًا عن خيارات أقل تكلفة.
ويرى مختصون أن أساليب الاحتيال لم تعد بسيطة كما كانت في السابق، بل أصبحت أكثر احترافية وتعقيدًا. فالكثير من الإعلانات المنشورة على المنصات الإلكترونية تعتمد على صور معدّلة تُخفي الأضرار، بينما تعمل بعض ورش الفحص بالتنسيق مع البائعين على إخفاء الأعطال الميكانيكية الجسيمة أو تغيير مواصفات السيارة قبل عرضها للبيع، الأمر الذي يجعل استرداد الأموال بعد اكتشاف الخلل شبه مستحيل.
عبد الزهرة علي، أحد المشترين من بغداد، أوضح أنه وقع ضحية لعمليات خداع ثلاث مرات متتالية، رغم استعانته بأشخاص ذوي خبرة لفحص السيارات. ويقول: “في النهاية اخترت شراء سيارة صينية جديدة لأنها أكثر أمانًا لي من الدخول في دوامة التلاعب مرة أخرى.”
أما التاجر كامل عبد الله، فأكد أن اللغة المقنعة والوصف المضلل باتا أدوات بيع شائعة، حتى أن الاحتيال طال المشترين ذوي الخبرة. وأضاف أن بعض التجار يعمدون إلى استخدام حسابات وهمية على مواقع التواصل للتأثير على أسعار المنافسين أو تضخيم العيوب في سياراتهم عبر إشارات ولغة مشفرة.
الميكانيكي حمزة فاضل أوضح أن تشغيل المحرك والمكيف لمدة عشر دقائق يكفي لكشف أعطال خطيرة، مشيرًا إلى أن الدخان الكثيف عند التشغيل دليل واضح على تلف المحرك. كما حذّر من عمليات إعادة الطلاء التي تُستخدم لإخفاء آثار الحوادث، والتي يمكن اكتشافها من خلال اختلاف الألوان أو الحواف الخشنة داخل غطاء المحرك والأبواب.
صاحب أحد معارض السيارات في بغداد أشار إلى أن أنماط التآكل على عجلة القيادة ودواسة الفرامل وناقل الحركة قد تكشف تناقضات كبيرة مع قراءة عداد المسافة، داعيًا المشترين إلى إجراء فحص دقيق قبل الدفع.
من جانبها، تنصلت المديرية العامة للمرور من مسؤولية الرقابة على هذه الممارسات، مؤكدة أن دورها يقتصر على التحقق من تسجيل المركبات والسجلات الجنائية الخاصة بالسيارات المسروقة، أما الحالة الميكانيكية وعدادات المسافة فليست ضمن اختصاصها.
الإطار القانوني
الخبير القانوني سلوان علوان أوضح أن الدستور العراقي يحمي الملكية الخاصة بموجب المادة 23، ما يجعل عمليات الاحتيال في بيع السيارات المستعملة انتهاكًا للحقوق المالية للمواطنين. وبيّن أن أكثر أساليب التلاعب التي يمكن اتخاذ إجراءات قانونية بشأنها تشمل:
قصّ أجزاء من هيكل سيارات وتجميعها على هيكل آخر
تغيير أو تزوير عدادات المسافة
إخفاء عيوب جوهرية عبر تحسينات تجميلية
فرض عربون غير قابل للاسترداد بدون ضمانات
ورغم خطورة الظاهرة، لم تعلن السلطات العراقية حتى الآن عن أي تحقيقات أو إجراءات تنظيمية للحد من انتشار هذه الممارسات.


