سامان بريفكاني- أربيل:-
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة التعقيد، حيث تتداخل الاعتبارات السياسية والاقتصادية في مشهد واحد يؤثر بشكل مباشر على مختلف القطاعات، وعلى رأسها قطاع السيارات. فالحرب الممتدة والتوترات التي تشمل البحر الأحمر والخليج وملفات سياسية أخرى، جعلت الشركات العالمية أكثر حذرًا في التعامل مع الأسواق العربية، وفي مقدمتها السوق العراقي الذي يعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد.
الحرب رفعت تكاليف الشحن البحري بشكل غير مسبوق، خصوصًا بعد تهديدات الملاحة في البحر الأحمر، وازدادت كلفة التأمين على السفن وازدادت معها أسعار السيارات فورًا. هذه الاضطرابات أدّت أيضًا إلى تأخر وصول الطرازات الجديدة لعامي 2025 و2026 إلى المنطقة، نتيجة اختناقات سلاسل التوريد وغياب خطوط شحن مستقرة. كل ذلك جعل القرارات الاستثمارية بالنسبة للشركات العالمية أكثر بطئًا وحذرًا، بل وصل الأمر ببعضها إلى تأجيل إطلاق موديلاتها الجديدة في الشرق الأوسط حتى إشعار آخر.
أما العراق، فقد كان في قلب هذه المعادلة. ورغم استقراره الداخلي النسبي، إلا أن السوق العراقي تأثر بحدة بالمشهد السياسي الإقليمي، لأن أي ارتفاع عالمي في كلفة النقل ينعكس فورًا على أسعار السيارات في المعارض. كما ساهم تقلب سعر صرف الدينار أمام الدولار في جعل الأسعار غير ثابتة، ما دفع الكثير من المستهلكين إلى التريث قبل اتخاذ قرار الشراء، والبحث عن طرازات اقتصادية أو سيارات صينية بأسعار أكثر قابلية للتكيف مع الظروف الراهنة.
ورغم هذه التحديات، فإن العراق ما يزال سوقًا واعدًا وذا جاذبية كبيرة لشركات السيارات. فهو سوق يمتلك شريحة شبابية واسعة، وتمدّدًا عمرانيًا يرفع الطلب على السيارات الجديدة، وتوجهًا متزايدًا نحو السيارات الهجينة والكهربائية التي تُعد خيارًا اقتصاديًا على المدى البعيد. الشركات العالمية تدرك هذا جيدًا، وتنتظر فقط لحظة الاستقرار التي تسمح لها بالعودة بثقة.
وعن السؤال الأكثر تكرارًا: متى تنتهي الحرب؟
لا توجد مؤشرات توحي بنهاية سريعة أو قريبة، نظرًا لتعدد الأطراف وتداخل الملفات الدولية، لكن السيناريو الأكثر واقعية يشير إلى إمكانية حدوث تهدئة تدريجية خلال عامي 2026 و2027. هذه التهدئة—حتى وإن لم تكن حلًا سياسيًا كاملًا—ستمنح الموانئ خطوط شحن أكثر أمانًا، وتقلل تكاليف النقل وبالتالي تخفف الضغط على أسعار السيارات في الأسواق العربية.
أما عودة الشركات العالمية إلى نشاطها الطبيعي، فهي مرتبطة بثلاثة شروط رئيسية: استقرار الملاحة البحرية، تحسن اقتصادي داخلي في الدول المستوردة وعلى رأسها العراق، ووضوح استراتيجيات الشركات حول إطلاق موديلات 2026 و2027. وعندما تتحقق هذه العوامل، ستبدأ السوق بالانتعاش تدريجيًا، وربما بشكل أسرع مما يتوقعه البعض، بسبب الطلب المتراكم ووجود شريحة واسعة من المشترين الذين ينتظرون هبوط الأسعار أو توفر الموديلات الجديدة.
المشهد اليوم يحمل تحديات كبيرة، لكنه في الوقت نفسه يحمل فرصًا للنمو، خصوصًا في الأسواق التي تمتلك قاعدة طلب قوية مثل العراق. ومع أي تهدئة سياسية مرتقبة، ستعود شركات السيارات بخطط توسّع أكثر وضوحًا، وقد تكون سنة 2027 بداية التعافي الحقيقي للقطاع في الشرق الأوسط.


